الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

322

نفحات القرآن

فهذه المراقبة وتلك الغرامات تؤدّي إلى استقرار نظام المرور حتّى في الطرق الخارجية . فإذا كانت المراقبة والمحاسبة من قبل الإنسان غير المعصوم من الوقوع في الخطأ لها هذا الأثر ، فإنّ أثر الإيمانِ بمراقبة اللَّه الدائمة ، الذي يعلم أسرار ما يكن الإنسان وما يعلن ، والإيمان بمحكمة العدل التي تحاسب على ما مقداره « مثقال ذرّة » والتي لا تنفع معها الشفاعة ، فإنّ عمق تأثير هذا الإيمان واضح من دون الحاجة إلى البرهان . ومن الواضح أَنّ هذا الأمر يتبدّل من صورة أفعال متفرّقة إلى عادة دائمة ومن عادة إلى ملكة ، وتتحوّل الحقيقة التي يطلق عليها اسم « الوجدان الأخلاقي » و « التقوى الإلهيّة » في قلب الإنسان إلى إيمانٍ راسخ . إنّ الغاية الأساسية من وجود المحاكم والعقوبات المطبقة وكذلك المكافآت والمدح السائد هي إيجاد الاستقرار وهيمنة القانون وتربية الإنسان ، والفرق بين المحاكم الموجودة في هذه الدنيا وبين المحكمة الإلهيّة هو أنّ هذه المحاكم يمكن استئناف الأحكام الصادرة عنها ، وغالباً ما تخضع أحكامها لتأثير الوساطة والرشوة ، بالإضافة إلى نقص القوانين المتّبعة فيها والاستثناءات والأحكام الفرعية ، وإمكان الإتيان بأدلّة كاذبة تؤدّي في أكثر الموارد إلى خلاص المجرمين من مخالب العدالة ، أو أحياناً إلى تأخير صدور الحكم إلى سنين عديدة بسبب الاستفادة من الروتين ، لكنّ محكمة القيامة لا تحتوي على أيّ شيء من هذه النواقص ، بل كما سنشير لاحقاً فإنّ المكافآت والعقوبات هناك تشبه إلى حدٍّ كبير الآثار والخواص الطبيعية للأشياء ، فهل يمكن تبديل آثار الدواء النافع إلى آثار سمٍ قاتل عن طريق الإتيان بأدلّة كاذبة واستخدام الوساطة والرشوة ؟ ! إنّ ممّا لا شك فيه هو أنّ الإيمان بمثل هذه المحكمة له أثر في تربية وتطهير الإنسان يفوق كثيراً آثار المحاكم الدنيوية . ومن ناحية أخرى فإنّ الإيمان بهذه المحكمة يؤجج روح الايثار والتضحية في قلب الإنسان ، وذلك لقاعدة : « مَا عِندَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ » . ( النحل / 96 ) فهذه الدنيا ممرٌّ ودنيا فانية ، بينما سوف يبقى ما ذُخِر لذلك العالم مستقراً وخالداً ، فأيّ